الكتاب الاسود

أذكر جيداً المرة الأولى التي سقط الكتاب الأخضر بين يديّ, كنت حينها في الرابعة عشرة من عمري. أبي قال لي بأن هذا الكتاب ممنوع في سوريا, وكأي مراهقة ترغب بفعل الممنوع لم أكتفِ بالإحتفاظ به بل أخذته معي إلى سوريا. أخفيته بعنايه بين كتبي دون أن يعلم حتى أبي بذلك. أذكر بأني قرأته بالكامل وكنت أفقه أموراً، وأمور كثيرة لا أفقهها, أشد ما كان يعجبني التعليقات في زوايا الكتاب, لدرجة أني كنت أكتبها على البنطال بألوان عدّة. هذا الكتاب كان مختلف عن الكتب التي كانت تصل لأبي وأقرؤها وأناقشها معه. لقد كان ضد الرأسمالية ضد الاشتراكية ضد الشيوعية ضد الحزبية بكليّتها, وكمراهقة سحرتني الفوضوية وعدم الالتزام بأي نظام وبأي قيد أو سقف كم أكره السقف دون سقوف بيوت الفقراء…في ذلك الزمن كنت مع العسكريين رؤساء الدول العربية, وكنت أعلق عليهم أمال لتحرير فلسطين كأبي, وكمؤمنة بالعروبة وبالجنس العربي وبالحدود العربية من المحيط للخليج كنت أحب القذافي وتصريحاته العروبية قبل أن يصبح ملك الملوك إفريقيا ويبتعد عن العرب لأنهم لم يعدوا يعجبوا مسيو قذافي…

آه كم كنت أحب بدلتي العسكرية, وتعلم استعمال السلاح, كنت كمن يجهز نفسه لتحرير فلسطين الجولان الجنوب وكل الأراضي المحتلة كل يوم, منتظرة من القادة العسكريين الإشارة والبدء, حتى أني كنت أريد أن أدرس التمريض بعد المرحلة الإعدادية مباشرةً خوفاً من بدء المعركة وأنا لا أعلم عن الإسعافات الأولية شيء, سناء محيدلي دلال المغربي وحميدة الطاهر كنّ قدوتي, كم كانت تلك الأيام جميلة, ويا ليتني قبلت عرض ابن الجيران وتزوجنا, لقد أحبني حقاً, لكن من يستطيع أن يقول بأن الوهم ليس جميلاً غالباً!

نعود للكتاب الأخضر, مرت السنون لأجد رسالة على تلفوني المحمول جاء فيها, القذافي يسلم عليكِ, كانت الراسالة من صديق سويدي أرسلها بعد عودته من ليبيا مباشرةً في عطلة رأس هذه السنة . قليلة هي اللحظات التي كرهت فيها نفسي ومن هذه اللحظات كانت تلك اللحظة , كرهت نفسي حينها وشعرت بالإهانة والحنق من هذا الحثالة. التقيت بصديقي في الإجتماع النصف شهري في الأمنستي, وبجعبته الكتاب الأخضر باللغة السويدية, ابن اللاتِ والعزة مترجمة بكل اللغات, كان يحمله وكأنه يحمل تحفة أثرية انقرضت منذ زمن, ناولني الكتاب وهو خائف عليه يريد فقط أن يريني إياه, وأنا لا أريد أن أرى أوهامي, صديقتي أرادت أن تقرأه, لم يرد هو ذلك بعد أن شعر باستيائي من الرسالة ومن الكتاب, لكنها بدأت تقرأ وبدا الاستغراب والسخرية على الحضور من كتاب كأنه نزل من الفضاء على هذا الكوكب, وأصبح من العجائب الثمانية…

كم كنت بسيطة عندما ظننت بأن قصة هذا الكتاب قد انتهت, وكم كنت أنانية عندما فكرت فقط بالإحراج من هذا الكتاب ومن صاحبه دون أن أعلم أن صاحب هذا القرآن القذافي الآتي من الفضاء الخارجي للعقل, قد أمّرَ نفسه رباً على شعب وأرض وتاريخ إسوّد بهبله.. اثنتان وأربعون سنة, رقم خارج عن دائرة التصديق, وعقلي للآن لا يتقبله أو يصدق ما حدث ويحدث, فكيف ستصدق الأجيال القادمة ذلك!

ثورة قام بها أهلنا في ليبيا كلّفت من الأرواح والأسماء والحيوات ألفاً, تيتم الولدان وثُكلت النساء وكسّرَ وصدّع قلوب الآباء و وحرق وحرم الأمهات فلذات أكبادها, وراء كل العيون التي انطفأ نورها قصص, فرح حزن حب كره طموح وأحلام توقفت لتطير في الملكوت تغني وتبكي, لأي شي لا أعلم, هل حقاً خمسة بالمئة من الشعب الليبي يستحق أن يكون قرباناً لكي يذهب هذا المهرج! هل حقاً ذهاب هذا المهرج مسؤولية ليبية بحتة! أسئلة تكاد تقتلني وصور لقتلى تطاردني, لقد أصبحنا في الألفين وأحد عشر وما يحدث كأنه في العصور الوسطى, فإلى متى؟؟ وإلى أين؟؟…

About these ads
This entry was posted in سهرة أنس and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.

4 ردود على الكتاب الاسود

  1. يقول ناسداك:

    كنت قد قرأت بعضا من الكتاب الاخضر بنسخة الكترونية حصلت عليها منذ زمن ، ولو حصلت على ورقية لكانت اريح للقراءة .. جاء القذافي بنظريات عجيبة ربما فيها شيء صحيح كأن يسلم السلطة للشعب وهو ليس برئيس انما قائد للثورة لكنه نفسه يناقض نظرياته ويتشبث بالكراسي ..
    نظام الحكم المعقد الذي عمله ببلده لو تعمقنا فيه فإن هناك ايجابيات و ولو ان بعضها يشبه ما هو معروف بأنظمة الحكم الاخرى ولكن بغير مسميات .. لكن هذه الانظمة التي اخترعها لا تصلح لمجاراة الحياة الواقعية ، فهي مثالية على الورق فقط

    اما عن نرجسية القذافي وجنون العظمة .. فهذا بحاجة لكتب و مؤلفات تدرسه

  2. يقول جلنار:

    أهلاً ناسداك..
    في الحقيقة سأستخدم قول السياسي القدير عزمي بشارة الذي قال بأن الساعة الخربة تكون صحيحية مرتين في اليوم, القذافي ساعة خربة وما هو صحيح هو محض صدفة لا أكثر ولا أقل..
    أما بالنسبة للقذافي فأظن بأن الموضوع تعدى النرجسية ليصبح جنون عظمة متجلي بشكل ساطع, هو انسان مريض يحتاج لمستشفى وإضاعة الوقت عليه حرام..
    تحياتي

  3. يقول hadi:

    قرات هذا الكتاب منذرمن ليس بالبعيد…..ادهشتني جدا انانية هذا الكائن ومن شدة غروره بنفسه ايقنت بان مرضى Megalomanie لا تظهر عليهم نفس اعراض هذا الكائن و لا اصفه بالانسان ابدا ….اما عم محتويات الكتاب كاسس للحكم بليبيا و دور الشعب بحكم نفسه بنفسه فلا اراه اختلف كثيرا عن كل المنشورات الموجودة ببلادنا العربية و التي تحكم من قبل الحزب الواحد و التي تنادي و تنادي فقط بالديموقراطية ….. سامحني عزيزتي يبقى للون الاسود عزنه ووقاره هذا الكتاب لا لون له لا مغزى فيه

    دمت بخير ابدا

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s