548 قانون عار

ما زلت أعتقد بأن هناك مشكلتين في عالمنا العربي إن حلّتا زالت الكثير من العقبات في طريق التحرر وهما: الجنس والسلطة الأبوية. بما أن هذا الأسبوع هو أسبوع جرائم الشرف, فقد قررت الكلام عن الجنس وهو من أكثر التابوهات تعتيماً وجهلاً, والجميع يضع إصبعه ويختبئ ورائه مدعياً عدم الرؤية وعدم الفهم..الجنس: وهو حاجة وغريزة جسدية طبيعية فطرية موجودة في بني البشر جميعاً, ومن لا يشعر بهذه الحاجة يكون مريضاً حتماً, ويجب أن يُعالج عند طبيب إختصاصي. هذه الحاجة جاءت التشريعات السماوية والمدنية ونظّمت أصولها ووضعت لها القوانين والتشريعات, كما نظّمت جميع الحاجات الاخرى كالطعام والشراب والسكن والحكم وو..

إنّ التشريعات السماوية الثلاثة وبالإجماع إعتبرت أن الجنس يجب أن يمارس ضمن مؤسسة أطلقت عليها الزواج, وأي ممارسة للجنس خارج نطاق مؤسسة الزواج هو علاقة غير شرعية ونعتت هذا الفعل بالزنا , ووضعت قوانين وأثار للفعلين, وتفرّدت كل شريعة من الشرائع السماوية بقوانين خاصة بها دون الأخرى, أما القوانين المدنية فلقد وضعت قوانين وأثار لتنظيم الجنس تختلف باختلاف البلد ويعود ذلك إلى الخلفية الثقافية والعقائدية لكل شعب. هذا الأمر يحتاج لبحث ودراسة طويلة ومتعمقة لكنها ستكون ممتعة بأي حال, وحبذا لو أستطيع القيام بدراستها في يوم من الأيام .

أما موضوعي فهو القوانين التي تنظم العملية الجنسية ونظرة المجتمع السوري لهذا الأمر ..إن المجتمع السوري يضم الكثير من الطوائف والملل التي تؤمن بالديانات السماوية الثلاثة, والتي لا تؤمن بتلك الديانات, لكن غالبية المجتمع السوري تعتنق الديانة الإسلامية, وتطبق أحكام المذهب الحنفي على المسلمين في قوانين الأحوال الشخصية, أما بالنسبة للدستور السوري فهو علماني, أي تم فصل القوانين الدينية عن قوانين الحكم, لكن مراعاة للقاعدة الشعبية المتنوعة وضع فرع في القانون سميّ بقانون الأحوال الشخصية, وهو قانون ينظم المسائل المتعلقة بالزواج والطلاق والإرث الخاص بكل طائفة على حدى…

بعد هذا السرد فإن بحثي هو منشأ الخلفية العقائدية لنص المادة 548 : «يستفيد من العذر المحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد»؟!!.

في الحقيقة بحثت عن الأصل العقائدي والشرعي لهذا القانون في الديانات السماوية والعلمانية فلم أجد له أساساً شرعياً!؟ إن خلفية هذه المادة ليس قانوني بل هو ثقافي يعود إلى العادات والتقاليد الجاهلية القديمة والتي تقوم على أساس التفوق الذكوري في عصر السبي والثأر ووأد الفتيات أحياء, والتي كانت محاربتها من أولويات الديانة الأسلامية…

إن جميع الطوائف الإسلامية مهما اختلفت وتباعدت معتقداتها أجمعت بأن معاقبة الزنا تحتاج إلى أربعة شهود رأوا الجريمة بأم العين, لتطبق العقوبة على الرجل والمرأة على حدٍ سواء, والهدف من العقوبة هو الخوف من الوقوع بسفاح القربى وإختلاط الأنساب, ولها تفصيلات لست بصدد سردها هنا, كما يوجد في الإسلام نوعان من الزواج, زواج دائم وزواج بنية الطلاق أو الزواج المحدد بمدة, وبالرغم من إختلاف المذاهب على اسمه لكن المهم في الأمر أن الزواج غير الدائم موجود, وعادةً يكون سري ومرحلي وللنساء الناضجات التي تعدّين سن الثامنة عشرة ولا يخضعنّ لموافقة الولي, الذي هو أحد ألأصول أو الفروع, وله أهداف كثيره تتصدرها الحاجة الجنسية, أما هدف هذا الزواج فهو عدم إرتكاب الزنا, وهو زواج شرعي كالدائم لكن مدته قصيرة والطلاق به له أثار أهمها العدة , وهي فترة زمنية بعد الطلاق تكون حوالي ثلاثة اشهر ونصف بهدف عدم أختلاط الأنساب..إذاً إن تطبيق قانون 548 يخالف التعاليم الإسلامية إذ يكتفي برؤية شاهد واحد ويبرر الثأر بقتل المرأة دون حتى بيّنة فربما تكون متزوجة زواج غير دائم وسري بالإضافة إلى تعزيز قاعدة أخد الحق باليد دون الرجوع للقانون والقضاء, وهذا الأمر لا يمت بالحضارة بصلة..

في الختام, رغم أني أحب جميع الألوان مع احتفاظي بلوني الخاص, ورغم شغفي بقاعدة التبعيض, إلا أني لا أحبذ التبعيض في دستور البلاد, أي لا أحب أن يكون بعض الدستور إسلامياً وبعضه علمانياً, وما بينهما جاهلي قبلي, لأن هذا الأمر يؤدي إلى مفسدة غالباً ما يدفع الطفل والمرأة الثمن الأكبر فيها وأفحش مثال هو القاعدة 548 من القانون الجزائي…

إن من أهم مقومات الدولة المتحضرة العدل والحرص على تطبيق القوانين بتساوي بين رعاياها دون تميز بين رجل وامرأة أو طبقة وأخرى, إن كان هذا القانون يوافق افكاري أو لا يوافقها, وأنا للان استغرب عدم وجود محكمة مدنية تختص بالزواج والطلاق المدني بالرغم من ادعاء الدولة بانها علمانية , لكن ربما العلمانية تطبق فقط على المنقبات في الجامعات! إن تطبيق قانون 548 الجزائي لا يمت للمدنية أو العلمانية أو الإسلام أو الانسانية وقاعدة التساوي بين الرجل والمرأة بصلة!! وأنا من خلال هذه التدوينة اضم صوتي لأصوات لا لجرائم الشرف, ولا شرف في جريمة, عسى أن تسمع هذه الأصوات في يوم من الأيام, وتنتهي هذه المأساة ..

هذا المنشور نشر في المرأة وكلماته الدلالية , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

10 Responses to 548 قانون عار

  1. التنبيهات: تجمع المدونين الفلسطينيين

  2. فقط للتنويه, المادة تم تعديلها منذ سنة و نيّف و تم إلغاء “العذر المحل” و اشتراط حكم بما ﻻ يقل عن سنتين.. أجل هي خطوة, لكنها صغيرة جداً, ما زالت عقوبة كتابة مقالة (خارج الخطوط) أقسى من قتل إنسانة, و هذا ﻻ يمكن تبريره بأي منطق يكن.. و هذه هي النقطة الرئيسية مهما حاول البعض تمييعها و الطعن في شخصيات و أخلاق من يطالبون بإلغاء هذه المادة و شتمهم و توزيع اﻻتهامات عليهم.

    تحياتي

  3. h.hakim كتب:

    اليوم اتمنى ان نقف و نضع الف وردة على قبر كل امراة كانت ضحية مجتمع همجي تنهشه عدةامل تجلعه ا رض خصبة لتنامي هذه الفظائع المجتمع الذكوري السائد الذي لا يرى في المرأة سوى جانب الجنس وينظر إليها على أنها سلعة تباع وتشترى وناقصة العقل ويسكنها الشيطان دوماً إضافة إلى ممارسة التمييز الصارخ ضد المرأة في مختلف المجالات وعلى مختلف المستويات وغياب عملية التنوير الاجتماعي والتقاليد والعادات البالية والموروثة من عهود مظلمة سابقة وعجز عن وعي دور ومكانة المرأة في المجتمع و وجود قوانين مدنية وفتاوى دينية لمعظم شيوخ الدين التي تساند ذلك وتحث على ارتكاب جرائم الشرف بذريعة غسل العار وحماية الأخلاق…غسل العارباسم الشرف !!!! لا شرف بعملية قتل تندب لها الانسانية و البشرية خجلا للاسف هذا واقعنا و مجتعنا المتخلف.. لك غاليتي ولكل من كتب و طالب برفع هذة الجرائم عن البشرية كل مودتي واحترامي وسحقا لذاك القانون الذي لا ينصف الجميع بالعدل ذكورا و اناث…

  4. Bullet كتب:

    شي واحد لا أستطيع فهمه ,, كيف يتم قتل نفس جعل الله حرمتها أعظم من حرمة بيته بإسم ” الدفاع عن الشرف ” !!
    نحن في مجتمعات لا تنظر للمرأة الا من ناحية ما تحت السُرة !

    ” ما زلت أعتقد بأن هناك مشكلتين في عالمنا العربي إن حلّتا زالت الكثير من العقبات في طريق التحرر وهما: الجنس والسلطة الأبوية.”
    وأضيفي عليهم ,, أصحاب الفتاوى ” الوردية ” !

    تحية ودّ جلنارتي ^_^

  5. مجنون كتب:

    أصابهم ما أصاب الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض
    هنالك مفاهيم لا يمكن تبعيضها ، ولا أظن أن من قام بسنّ وتشريع هذه المادة من القانون قد استند على تبعيض لقضية العلمانية ، بل لا أظنه استند على أي مفهوم آخر ، دينياً كان أو عقلانياً أو حضارياً أو حتى فيزيولوجياً ..
    فكما ذكرت ذات مرة مستنكراً : ” ربما استند من سنّ هذا القانون على حجم العضلات عند الرجل والمرأة فأعطى الرجل ذلك العذر ولم يعطه للمرأة ” .
    قد لا أضع وردة على ضريح ضحية مثل هذه الجرائم كما قرأت آنفاً أعلاه ..
    لأن تعاطفي مع الحملة ضد هذا الجور لا يبرر ” غالباً ” لمن قامت بذلك الفعل فعلتها .” بحكم الأخلاق .. لا الدين فحسب ” .
    كما أن الفعل ذاته غير مبرر من الرجل أيضاً ، بحكم وجود عدة ضوابط أصيلة تنظم هذا الأمر .
    لكنني أتفق تماماً مع ما جئتِ به من أفكار .
    وبرأيي _عودة لبداية المقالة _ مشكلتنا هي مشكلة العالم بأسره ، لكنها عندنا تأتي بجرعة مركزة ألا وهي الثالوث المحرم :
    الدين – السياسة – الجنس .

    تحية لكِ

    • جلنار كتب:

      أخيراً ظهر التعليق:)…
      أتفق معك فيما ذكرت, أما بالنسبة للوردة فأختلف معك, فالوردة للضحية وليست للفعل عزيزي, إذا نظرنا بشكل متعمق أكثر يجب أن نرفع الأسباب قبل العقاب, فلا تقطع اليد في مواسم الشح والجوع, ونحنا الأن في عصر الإبتذال, لا أبرر الفعل مطلقاً, لكن الرحمة فوق ميزان العدل, وحقيقة الأربع شهود هي الرحمة لصعوبة تحقيقها فعلياً, رغم أن كل الرحمة في جوهر العقاب, في الحقيقة الأمر معقد جداً, وهذه العقوبة خطيرة بأبعد المقايس, فما بالك لانسان يقتل على الشبهة!!
      تحياتي لكَ

  6. السلام عليكم

    نكتب لكم رغبة في أن نعرفكم علينا:

    نحن فئة من المسلمين ذات اتجاه وبعد سياسي وعقدي واضح بعيداً عن الغموض، ندعو إلى قراءة الواقع ومعاينة الحقائق بعيداً عن التضليل الإعلامي، ولدينا موقع يهتم بتنمية مهارات فقه الواقع والتحليل السياسي، مجلة العمق:
    http://www.al3umq.net/

    نعتذر عن كتابة الرسالة في التعليقات لأنه لا يوجد نموذج مراسلة في مدونتكم.

    مع أطيب التحيات …

    زكي الأخضر

    محرر الموقع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s