خالد خليفة في مديح الكراهية

لم أصدق عينيّ عندما قرأت غلاف رواية مركونة بإهمال في المكتبة المخصصة للكتب العربية, بعنوان مديح الكراهية للكاتب السوري خالد خليفة. أربعة أيام رافقني الكتاب كأنيس راقي أرتشف الكلمات إرتشافاً وأمضغها على مهل وبنهم شديد, أعادني إلى طقوس كنت أحنّ إليها, طقوس حميمية لإنفعالات صاخبة قد نسيتها. طقوس فيها كنت أضحك وأبكي في عين اللحظة..

الرواية تدور أحداثها في السبعينيات في سوريا, ونقطة الإنطلاق كانت حلب الشهباء . الجمالية اللغوية, الوصف الدقيق لتفاصيل التفاصيل بطريقة غير مملة وجمل رائعة وغير مكررة, بأسلوب مبهر بغنى مفرداته, ومعرفتي للمكان والأحياء المذكورة في الرواية, جعلت الرواية كمشاهدة فيلم من أفلام هوليود المتقنة الصنع والإنتاج, مع فارق بسيط, أن الأحداث تخص ثقافتي في المكان الذي أحبه وترعرت به في زمن ما..

, غموض واضح ورائع أضفاه عدم ذكر اسم البطلة حتى كاستعارة, فقط في سطر خارج الرواية على صفحة بيضاء كتب فيه إلى أمينة محمد علي, ربما يكون هذا الاسم اسمها وربما لا, لكن كانت رحلة شيقة في عمقها وعمق الإنسانية…

ليست الجمالية اللغوية والقصصية فقط ما جعلني أتوقف عند هذه الرواية, لكن ملامستها ألم واقع نعيشه ويتكرر بأشكال مختلفة, بالرغم من أننا في القرن الواحد والعشرين , وهو جهلنا بالأخر وإطلاق الأحكام المسبقة التي مازالت في إزدياد متطرد, لم يختلف شيء, ازدادت الجدران ارتفاعاً و عمقاً و قتامة ، و ازداد جهلنا بالآخر لنصل إلى مرحلة التكفير..

هذه الجدران عمل على إزدياد إرتفاعها كهنة مرتزقة على موائد عاش الملك مات الملك, كهنة عمِلت السلطة على إفسادهم ودمار مؤسساتهم, فاعتلاها المنافقون وشذاذ الأفاق مما أدى إلى تغييب وتهميش دور الصادقين وظهور تكفيريين متشددين كردة فعل على اختلال هذا التوازن . هذه السلطة القائمة على البطش والترويع والتركيع, أنشأت سنناً وتاريخاً للدكتاتوريات صار من الصعب إقناع الشعب حتى بمجرد تذوق طعم الحرية, أما الطبقة الساحقة الفقيرة والمغمورة فكانت فلذات أكبادهم وتثكيل نسائهم وتيتيم أطفالهم وقود الحقد والصراع على السلطة, فأصبح الشعب كالرعاع في مزارع السلاطين. وكأنهم ورثوها عن أبائهم!! حقهم فيها مطلق, لهم ولأولادهم من بعدهم …

عودة على بدء, طرح الروائي خالد خليفة بأسلوب شيق مستعرضاً الطقوس والعادات والتقاليد لكل دولة ومدينة مرّ بها من أفغانستان مروراً بسوريا لبنان السعودية ووصولاً إلى لندن وأمريكا, ووقف على مسافة واحدة ومتساوية من جميع الأطراف منتقداً بموضوعية تلك المرحلة وأطراف الصراع مبرزاً لكل طرف خيره وشره بأسلوب وشخصيات أكثر من رائعة, والحقيقة مهما تكلمت عن هذه الرواية لا أوفيها حقها.

أما السلبيات الطفيفة التي أحب أن أعلق عليها, هي تحدث الكاتب بلسان امرأه وعين رجل, خاصة في موشحات النهود مختزل المرأة بنهد.. أما ما كنت اتمناه في الرحلة الإيمانية المتأرجحة بين الشك واليقين للبطلة, وعند خروجها من دائرة الكراهية المتمثلة بخروجها من السجن, عدم الإنقلاب مئة وثمانين درجة, مارست فيها افعالاً متناقضة بشكل فاحش لما كانت عليه, وكأنها تريد أن تجرب أو تمارس النقيض!! هذا التحول حقيقي لأنه ناتج عن كبت لكن تمنيت أن لا يكون لأنه مثّل ضعف أتعبني. ليس التحول فقط ما ألمني , بل النهاية الغير متوقعة والصاعقة, فبعد أن غرقت البطلة في بحر الشك بعد اليقين اكتشفت كم كانت تعشق اليقين, فلم تعد تشك ولم تعد متيقنة, ضائعة بين بينين, وحيدة خائبة تتمنى العودة إلى المستحيل..

نهاية أفجعتني لمستني وهزّتني حتى كدت أقع, بعد أن توقفت وهي في عمر الرابعة والثلاثين, بلا زوج ولا أطفال, تعيش على الذكريات بجسد مليئ بندوبات ناتجة عن التعذيب, تستحضر شقيقاً وأماً قد ماتوا وحبيبا ًرسمت له صوراً ولم تره إلا في غرفة الإنعاش, إستحالة الإندماج بالمجتمع الجديد كانت الضربة القاتلة, العودة مستحيلة فلقد مزقت جواز السفر, لم تعد تسعها أرض , لترتفع بذلك فاتورة الأثمان لدرجة لا تطاق, بحقيقة رمادية مجردة بلا أمل ولا حلم..

ختاماً كل التقدير والتحيات الحارة من قلب المعاناة للكاتب المبدع خالد خليفة, وأترككم ألأن لأقرأ القصة من جديد بمتعة لا تقل عن قراءتي الأولى…

هذا المنشور نشر في أنس وكلماته الدلالية , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

7 Responses to خالد خليفة في مديح الكراهية

  1. التنبيهات: تجمع المدونين الفلسطينيين

  2. التنبيهات: Tweets that mention خالد خليفة في مديح الكراهية | زهر الرمان -- Topsy.com

  3. Yassin كتب:

    رواية ممتازة حقا. و أتفق معك تماما بخصوص ملاحظاتك.

    تحية

  4. حلم كتب:

    السلام عليكم
    كم جميل ان نعثر بين جوانب مكتباتنا عن كتاب سبق وان قرأناه فيأتي بعبق السنين ويعيد علاقتنا به هو امر حصل معي منذ ايام حيث جددت التصفح لمسرحية من المسرح العالمي أتمنى فعلا أن أنشر ملخصها في مدونتي
    استهواني الأمر أكثر بعد قراءتي لموضوعك أخي
    بارك الله فيك
    وكل عام وأنت بألف خير

  5. جلنار كتب:

    وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    وكل عام وانت بالف الف خير عزيزتي, نعم جميل أن نعثر بالصدفة على ما نحب, أشجعك على نشرها وسأقرأها بالطبع إن نشرتيها..
    اهلا وسهلا بك دائما 🙂

  6. ابراهيم كتب:

    ما صعقني في هذه الرواية هي تحطيم صورة الراوية الملتزمة بطريقة قبيحة تعبر عن حقد الكاتب الدفين تجاه جماعة الاخوان المسلمين لكن من الأجدر احترام وجهات النظر وعدم التشويه بهذا القدر … والأدهى من ذلك اختياره ( ربما بشكل مقصود ولا أظن غير ذلك ) لأسماء الشخصيات دون خجل فاطمة طالبة تتحدث عن الجنس وصفية عاهرة تمارس الجنس مع الدكتور هاني وبكر يتخلى عن مبادئه وعمر شخصية متقلبة فمرة يسكر ومرة ينام مع النساء ومرة يتوب وغير ذلك مما أشعرني أن الكاتب يلعب بمشاعر المسلمين المتدينين وكان من الأجدر احترام المشاعر مهما اختلفنا مع الآخر … ولدي الكثير ولكن ربما هذا أكثر ما لفت انتباهب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s