تعبد بفنجان

طقوس تعبديّة أمارسها بتأمل يدي أمي وهي ممسكة بالفنجان, لم تقرأ فنجاناً من قبل, شغفها بمعرفة طالعي جعلها تمسك بالفنجان وتتنبأ عسى أن ترى ما تحلم به أو ما تتمنى. ربما هو تعلق الإنسان الفطري بمعرفة المستقبل عند الإحساس بالحاجة لجرعة من اليقين أو الأمل.. الطقس الدافئ الذي نشأ بيننا أعجبني فلقد كنا نبوح بمكنوناتنا نحن الإثنتان دون تحفظ وبطريقة غير مباشرة فأولاً وأخيراً الفنجان هو الذي يتكلم.. في هذا الطقس عرفت كيف تحب الأمهات وبأي عين ترى..تأملتها جيداً واستمتعت بمراقبة كل حركاتها وسكناتها خائفة من تفويت أي شيء دون تبويبه في ذاكرة هرمة محاربة لعنةالنسيان في هذا المقام لعلمي جيداً بأن هذه الأمور البسيطة هي ما يضفي إلى حياتي عذوبة وسعادة منقطعة النظير, ولعلمي بأن لا شيء في هذه الحياة يستمر, هو استثمار حقيقي للوقت ..

بحثَت في ملامحي جيداً وتوقفت لتقول أرى في فنجانك محبس , ابتسمت لعلمي بما تلمح به ولا أعلم لما هو حلمها وحلم كل الأمهات! حلم أرهق كثيرات وشكّل ضغطاً نفسياً صعباً وقاسياً وأحيانا إحساساً بالنقص , وتساءلت لما لا تجعل الأمهات الحب الحقيقي أو اكتشاف الذات أو تحقيق الحلم الشخصي الخاص بكل واحدة هو حلمهنّ! ألصعوبة هذا الأمر وبهاظة الأثمان! ربما! أو لأنهن واقعيات قد خبروا الحياة وأختاروا الأسهل لنا! ربماأيضاً! بعد جولة في التفكير جاوبتها بأنه ربما سنسمع خطبة أحدهم, فامتعضت واستمرت..

أرى في فنجانك طريقاً طويلاً وأبيضاً, أخفيت بسمة خبيثة بخبث قطة ابتلعت فأر ولا تريد أن يراها أحد, وقلت في نفسي هذا الطريق الذي حذرتني منه فسلكته وما زلت, انتظرت مني إجابة فحركت كتفي بطريقة تدل على عدم العلم بالأمر, فاستمرت.. أرى عصفور وللصدفة سمع ابن أخي الصغير الحديث وقال جدتي أريني العصفور, فتحركت بجدية وحركت الفنجان لتريه , تمعّن جيداً قطب حاجبيه وبحركة تدل على عدم الرضى قال إنها ذبابة وليس عصفوراً يا جدتي, فقالت بعصبية إذهب وما أدراك أنت, هنا إنتابتني نوبة من الضحك لم أستطع كبتها, وبعد أن انتهيت اعتذرت وقلت بأن كلام الصغير أضحكني, وفعلاً هو ما أدراه!…

طلبت منها الإستمرار وأقسمت بأني أصدقها لأني أعرف العصفور جيداً وأعرف من هو الغصن والحضن الوحيد الذي يلجأ إليه العصفور ليستريح من تعب الطيران والتحليق الذي لن ينتهي, ومهما كانت حالة العصفور فرح أو حزين غاضب أو مسرور سليم أو مكسور فلن يرفضه الغصن, فاستمرت ..قالت هناك ثلاث دعسات دعسة حصان ودعستان للأقدام, ربما ستقصدين مكان جديد, قطبت جاجبي وقلت مكان جديد مرة أخرى لا لا لا أريد, فالمكان الجديد يعني بداية جديدة, وشق طريق من جديد, وغربة وحنين وترك الأحبة من جديد أيضاً, فتراجعت وقالت ربما لا يعني هذا, فابتسمت وفكرت كم هو جميل المستقبل لو كان كفنجان أمي أرفض الذي أريده وأقبل الذي أريده…

أرى سمكة كبيرة قالت, والسمكة تعني رزق كما يقولون, فقلت أنتي هو رزقي ونعمة الله عليَّ, وهل هناك أكثر من القناعة رزق! فانفرجت أساريرها وابتسمت ثم استمرت وقالت, أرى نخلة وخروف وأفعى وأرى وأرى وأنا لا أرى إلاها, قالت إبصمي فبصمت قالت أرى قلب أبيض وغزال وعنقاء ورجل, عندها تعبنا من تأويل ما ترى, فهي ترى وأنا أرى وكلاً يرى ما يريد

ثلاثة أيام, العطلة التي قضتها في بيتي تقرأ طالعي كل صباح إلى أن سافرت, ثلاثة أيام مرت سريعة بسرعة الفرح, وتركت لي فنجان ينتظر عودتها لتقرأه مرة أخرى, وذكريات أتزود بها في هذه الحياة

هذا المنشور نشر في ثرثرة وكلماته الدلالية , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

7 Responses to تعبد بفنجان

  1. التنبيهات: تجمع المدونين الفلسطينيين

  2. Khadija April كتب:

    صباح الخير
    ليس بوسعي أن أقول الكثير، فأنا في حالات الاندهاش المفرح لا أقول الكثير، وصلتي الحوارات صباحية قريبة دافئة، كأنها لم تقطع مئات الأميال ولم تكن بهيئة إلكترونية أمامي، أعدتني إلى تلك الصباحات في منزل جدتي، وكيف كانت تتلاعب بالصور لتخبر الحاضرات عن ما تخطط له، دون أن يشعرن إلا بضرورة تفسير الصور والترقب إن كانت الطريق مسدودة أو إن كان الغراب يحتل الجزء العلوي أو إن كان فنجانًا عكرًا…
    ليس بوسع أحد أن يفسر رغبة الأمهات المتمثلة بخوفهن على حالة الابنة الاجتماعية وحتى إن سألتهن لن تجدي إجابة شافية لا سيما إن ذكرتي الواقع ومآل الأمور الأخير وسلم الأولويات الخاص بكل فرد، ولكن هذا يوازي استحالة تفسير الفرح اللانهائي المتبادل بفعل الأمومة والبنوة.
    التشبث بهذه الذكريات أبلغ طريقة للتعبير عن الرضى، لم يصادفني نص يدور في فنجان أكثر جمالاً مما قرأت ولن يصادفني آخر إلى أجل قادم.
    رائع وأكثر 🙂

    • جلنار كتب:

      يسعد صباح خديجة..
      لقد قلت الكثير والجميل, يكفي بأنك قرأتي ما أريد, وسعدت بأنك معنا في هذه الجلسة الصباحية :)..
      كتبت هذه التدوينة لأني أريد أن أوثق هذه اللحظة وأحبسها هنا لكي لا تفر مني, ويسعدني ويشرفني أن تكوني معنا بهذه اللحظة, حضورك هو الرائع وأكثر…

  3. dima كتب:

    🙂 دافئة
    أحببت تعبيرك الاخير بأن كلا يرى ما يريد
    الله يخليلك ياها 🙂 وتقرالك دايما الفنجان

    • جلنار كتب:

      نعم دافئة كدفئ كتاباتك خاصة التدوينة الأخيرة 🙂 ..
      بالحقيقة هذا التعبير له تتمة فكلا يرى ما يريد وكلا يريد ما يرى..
      الله يخليلك والدتك ويحفظلك ياها, شكراً ديما:)

  4. Bullet كتب:

    لاأرى أكثر حنانا من الأم إلا ابنتها ..(:
    ستعود ان شاءالله و ستقر عينك برؤيتها مرة أخرى ..
    دمتِ بخير ..

  5. جلنار كتب:

    ولا أرى أحن من كلامات أختي الصغيرة 🙂
    دمتِ بخير لأكون بخير أنا أيضاَ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s