مرآتي

إقرأ المزيد

نُشِرت في ثرثرة | الوسوم: , , , , | 4 تعليقات

نفحات من عطر

لحظات وتصل.موجع الإنتظار..صبر يضج من الصبر..الحياة غير عادلة..كنت حريصة على التزود من رائحة الوطن بين أحضانها وقبل أن تختلط بروائح هذا البرود..خبز زعتر بهارات عطور شرقية كلها بطعم الحرارة..تذوب بدهاليز روح صوفية بلذّة اللوز والسكر..

خانتني الفرصة… هي في المطار تنتظر وأنا… وصلت فجلست قربها حد الإلتصاق كطفلة لا تكبر..أهدتني ابتسامة عذبة وفتحت محفظتها وأخرجت منها برتقالة وقدمتها لي..بساطة عصية عن فهمي..أحبها كلمة في حضرت الشعور ابتذال..لقد جلبت برتقالة لي خصيصاً… عبر البحار حملتها فقط لأتذوقها!! وبعينين تفيضان عذوبة وحنان كانت تراقبني وأنا مشغولة بالبرتقالة..كم هي متوغلة بعمق الجمال وأبعاده..انتهيت وعيناها تتسائل إن كنت ميّزت فرق المذاق, خانتني الكلامات فهربت من نظراتها.. فرق كان كحرارة الحياة وبرودة الموت بطعم ممزوج بنهكة الغربة والحنين ..

فتح حقيبة السفر كان المرحلة الأصعب ولطالما كان من اختصاصي, صعوبة الإختيار بين أشياء مفرطة الأنوثة حد الإبتذال تشغرني بعدم التحرر من العبودية, عبودية مُورِست على المرأة حد التسطيح وأصبح همها فقط الإرضاء, ليس فقط للرجل بل للمرأة أيضا, وبالرغم من نسبيتها بالمجتمعات, إلا أنها ظاهرة فاحشة بمجتمعاتنا..ما شأني أنا بمساحيق التجميل على أي حال..تأفأفت وهي تنتظر لأختار, وكم كانت دهشتي عندما رأيت ليفة مغّلفة بكيس نايلون شفاف كُتب عليه ليفة هولندية..ليفة أصلية ناعمة..لم أصدق لقد كانت بمثابة نكتة ضحكت لها مطولا,ً ورطبت الأجواء وأنقذتني ..

غريبة هي المصادفة وقاسية ومؤلمة هذه المفارقة.. لا أريد أن أغوص بلعبة الفرق والتفريق والمفارقة والكثير من التفزلك ما بين مذاق ورائحة البرتقال وابتذال الثقافة.. لكن أياً كان الفرق فأنا مزيجه بشكل أو بأخر..

أخرجت الليفة من الصندوق منذ عدّة أيام خاصة في الأحداث الأخيرة, لا أدري لقد نشأ بيني وبينها إلفة, أنستها كطفلة فكلمتني بنبضات عزفت على قيثارة إغريقية, لقد كانت الشيء الملموس الوحيد والفعلي الذي يعبر بشكل بسيط عن وطن, وطن لطالما عشش في رحم القلب ليلد كل يوم لون من ألوان المحبة ويحيك بألوانه أروع فستان مزركش لراقصة إسبانية في تيه وكبرياء…

في جوف الليل تراتيل.. هالات من النور تحيط بفكرة خاشعة طامعة في جود المطلق القدير الغني عن التقدير.. منتحبة حد التخلي.. ما تبتغيه صعب المنال… ولم ينقطع الرجاء عندما انتحرت الكلمة.. لم يعد هناك غير الأمل بلحظة سلام تخيم على القلوب وتهّدئ النفوس وتعيد الرشد والفرح لوطن متألم دماً أحمراً حاراً ينزف بوجع..

نُشِرت في ثرثرة | الوسوم: , , , , , , , , ,

الجمعة العظيمة

كتبت وكتبت وكتبت, وفي كل مرة أضع العنوان وحين أدخل في صلب الموضوع لا أستطع أن أتعدى بضع أسطر, لأبدأ من جديد, فأضع عنواناً جديداً لوضع جديد وأقف مترددة لا أستطيع الإستمرار. الصورة غير واضحة وضبابية, مترددة وخائفة ليس من الكلام أو الكتابة, لكن من موقف أندم عليه, أو كلمه تخرج وأتمنى لو لم أقلها. خاصة في هذه الأيام وفي جو شديد التقلب والتوتر, الفعل الغرائزي هو المسيطر والصراخ عالٍ ولا أحد يستطيع أن يسمع حتى لو أراد..

هدوء يسود الآن في البلد وفي نفسي .. ,الآن أستطيع أن أقول لقد أصبح الوضع أمراً واقعاً ويجب أن أتقبله رغم وجعه وأهضمه كما لو كان حنظلاً, الآن سأسمع عن القتل والإستشهاد إلى ماشاء الله, وكأنني أسمع عن الوضع الفلسطيني الذي مللنا سماعه لسنوات دون جديد ثم اعتدنا عليه ولم يعد في كثير من الأحيان يهز أحد..

الآن الكل يطلب موقف.. النظام والمعارضة. وأنا لا أحب الحياد, لذا سأفند المعطيات وأقرر مع من أكون!؟ لأني دائما وأبداً أريد وبشدة أن أكون..

النظام: منذ أحداث درعا وهو يكّذِب كل ما يحدث من مجازر وإنتهاكات والإذاعة الرسمية تنفي, القتلى أناس ماتوا بالغلط والقاتلون عصابات أتت من الخارج, قانون الطوارئ سيلغى, لالا قانون الطوارئ لن يلغى , لنلعب لعبة عسكر والحرامية ثم ..يلغى قانون الطوارئ! الأفلام مفبركة ففيلم قرية البيضا صوِّر في العراق ومفبرك لنكتشف بعد حين بأن السلطة قامت بتوقيف المسؤول الأمني الذي يظهر في الفيديو وستقوم بمحاكمته هو وعناصره كما يقولون .. هناك مؤامرة, نعم هناك مؤامرة على البلد, لكن الأوضاع الداخليه أكثر من رائعة!!! والبلد ماشي وكلو ماشي ولا يهمك..كما قال المرحوم الذي سيفتضح سر موته عاجلاً أم أجلاً.

المعارضة: ذهبت لمواقع وأشخاص في المعارضة للإستبيان, فقرأت عن قتلى وثورات ومجازر وبأن الحرس الثوري الإيراني أصبح في سوريا, ثم تصدى بعض المعارضين لهذه الهرطقات, شبيحة النظام التي تقتل الناس في الطرقات مسلسل دراما, ولم يخلُ الأمر من فيديوهات مزورة وتزوير للحقائق وبلغة كيدية وحقد عالٍ, فالموضوع أصبح حرباً وبكل الوسائل مبررة وغير مبررة والطرفين فقدوا المصداقية.. الحرية هي الهدف, ما نوع هذه الحرية لا أعلم؟ لأي درجة وأي سقف لا أعلم؟؟ما هو البرنامج المتبع للمطالبة بالحقوق التي أعتبرها عادلة لا أعلم؟ ما موقفهم من الصراعات الإقليمية ووضع سوريا كدولة ممانعة لا أعلم؟ هل هم مرتبطون أو ملتزمون بأطراف إقليمية كذلك لا أعلم؟ ما هي توجهاتهم وهل هم أصوليون أم علمانيون الجواب بالتأكيد لا أعلم!!!

التخوين والأحكام الإستباقية هي اللغة الدارجة هذه الأيام, لا أحد يستطيع أن يرى نقطة إيجابية للطرف الثاني الكل إقصائي والكل يريد من الكل التنازل والتنحي نهائياً, لا تسوية ولا نقاش الباب موصد بإحكام, وهو إذا ما دّل على شيء فهو أن الجمعة القادمة ستكون الجمعة العظيمة, فأين أنا من جمعة البعث بعد الموت ولا أقصد البعث الذي تعرفون, ومع أي طرف يجب أن أكون؟ لا حياد بعد اليوم الحياد موقف سلبي جداً الآن, لذا اخترت أن أكون مع شعبي العظيم الذي لا ناقة له ولا جمل في هذا الصراع الدائر, حتى لا يعلم ما هي المادة الثامنة من الدستور ولا يعلم معنى إلغاء أو الإبقاء على قانون الطوارئ, لذا أتساءل من تمثل هذه الثورة؟ وباسم من تتكلم؟ رغم إيماني العميق بالحرية لمعتقلي الرأي وبنبل هذا المطلب, لكن لا أظن بأن المعتقلون أنفسهم يتقبلون بأن يكونوا الحجة لخراب البلد ولمزيد من القتل ولمزيد من الصراعات الطائفية..

الآن أستطيع أن أكتب وأتكلم ولا أخاف من ندم أو ظلم لأحد الأطراف لأني الآن أعلم بأني أخذت الموقف الصحيح وبأني لست حيادية, جمعة عظيمة لإخواننا المسيحيين الذين يحتفلون غداً وأتمنى أن تكون جمعة أقل إيلاماً وأقل دموية في حبيبتي سوريا…

نُشِرت في محطات | الوسوم: , , , , , , , | 9 تعليقات

رسالة مفتوحة لأجل سوريا

إلى أبناء وطننا السوري, أخوتنا في الوطن و الوطنية بغض النظر عن أي اختلافات أو خلافات أخرى أياً كان نوعها.

في هذه الساعات الحزينة و المؤلمة بعد تتالي أحداث عنف في نقاط عديدة من جغرافيتنا, و بعد سقوط ضحايا و سيلان الدم على أرض الوطن دون مبرر, اجتمعنا, نحن مجموعة من المدوّنين و كتّاب اﻻنترنت السوريين من مختلف التوجهات الفكرية و السياسية, على مناداة إخوتنا في الوطن و الوطنية للعمل معاً كي نتجنّب المزيد من الدماء و الضحايا و الدموع و الوقوف جميعاً تحت سقف الوطن و الوطنية الجامعة بلا استثناء أو تمييز. و نودّ أن نستغل هذا النداء لنقدّم أحرّ التعازي لعائلات الضحايا و أصدقائهم و لنعبّر عن أملنا بألا نحتاج للتعزية بغيرهم في هكذا ظرف بعد اليوم.

نضع جانباً خلافاتنا و اختلافاتنا الفكرية و الإيديولوجيّة و السياسية لنجمع على موقفٍ إنساني و وطني, نرى فيه واجبنا تجاه هذا البلد الذي يحبنا و نحب, يجتمع حوله الأخوة في الوطن و الوطنية دون استثناء أو تمييز من أي نوع, و لذلك ندعو لنبذ لغة التشكيك بالآخر و وطنيته و نرفض لهجات التخوين و اتهامات العمالة و كل أشكال التحقير و اﻻزدراء و كل توجهات الإلغاء و الإقصاء و ننادي ﻻحترام وجود الآخر المختلف و حقّه في التعبير دون انتقاص منه و دون أن يعني ذلك عدم اﻻتفاق على حب الوطن و البحث عن مصلحته العليا و خيره الدائم.

إننا ندعو القوى الوطنية و الفعاليات اﻻجتماعية و مختلف فئات الشعب السوري العظيم إلى اتخاذ موقف تاريخي ﻷجل تحصين الوطن و تقوية كيانه و ترسيخ أسسه و بناء منصة اﻻنطلاق نحو المستقبل المشرق و العادل و الخيّر لبلادنا و أهلها. و لأجل ذلك ندعو للحوار الصادق و البنّاء و الهادئ في المجتمع السوري, و لتحقيق ذلك نطلب ضمان حرية التعبير و التظاهر السلمي دون كبت أو قمع, و دون أي تخريب في الممتلكات العامة و الخاصة أو مخاطرة بالأرواح و النفوس. إننا نرى في ذلك طريقاً أكيداً نحو الغد الأفضل و نتمنى لو نسير فيه جميعاً بخطى ثابتة و دون تباطؤ.

إننا ننادي للاستماع للمطالب المشروعة لفئات الشعب السوري, و خصوصاً الشباب, و ندعو الجميع للتصدي لكل محاولات التفرقة أو الإقصاء و لكل ما يسيء لوحدة صف الشعب السوري من نعرات تعصبية و طائفية و عرقية.

نتمنى لوطننا السلام و السعادة و الازدهار و اﻻستقرار, و لذلك نناشد في هذه السطور البسيطة أبناء شعبنا للوقوف معاً متحابين و متضامنين و مركّزين على ما يجمع و متحاورين على ما ﻻ ضرر في اﻻختلاف عليه. فوطننا يستحق منا ذلك.. على الأقل

)(هذا النص يُنشر بالتزامن في عدد من المدوّنات و المواقع السوريّة, إن كنت موافقاً على مضمونه ندعوك لنشره في مدونتك أو موقعك أيضاً

| أضف تعليق

حتى الجنسية لا نستطيع منحها لأفلاذنا.. لن أنجب لوطني

جنسيتي لي ولأطفالي, حق أثير مؤخراً من قبل المدونين السوريين قامت بطرحه مدونة Resoundنتيجة معاناتها الشخصية والإنسانية في هذا المضمار. ناقشت التدوينات فيه هذا الحق قانونياً ومنطقياً بشكل مسهب ومقنع, وأجمل ما في الموضوع هو التفوق الذكوري المحبب لي في هذا المضمار والتأخر الأنثوي بالرغم من أن الموضوع يمسهنّ بشكل شخصي للأسف , وككل الحقوق اصطدم هذا الحق بالكثير من الامبالاة والإهمال وفي بعض الأحيان التجريح..بعد تأمل أرى بأن المشكلة الحقيقية تكمن بالعقليات المتحجرة التي مازال انتمائها للقبيلة والعرق ولا تفقه معنى الدولة والمواطنة..

للأسف أعلم تمام العلم حساسية أن تطالب المرأة بحقها ومدى ارتباطه بالتستسترون, فحرية المرأة عند هذه العقليات مرتبطة بشكل أو بأخر بالجنس وتضغيف السلطة الأبوية وبالتالي أخذ المرأة حقها لا يقوم إلا على حساب الإنتقاص من حقوقهم كما يعتقدون, لذا وبمجرد سماع هذه الكلمة حتى ودون معرفة هذا الحق يستميتون بالدفاع والإعتراض واختلاق الحجج المضادة والتي غالباً ما تكون بعيدة كل البعد عن المنطقية كالعرق والجنس والقبيلة والعشيرة وهلم جرا من الحجج التي مللت من سماعها وحبذا لو استطاعوا تطويرها لانها أصبحت قديمة جداً .. لهؤلاء أقول لا تخافوا واطمئنوا لأننا نحتاج إلى جيل أو جيلين لنغيّر هذه العقليات ولنثبت بأن الطهارة والعقل مرتبطان ارتباط وثيق بالحرية وهذا ما ولا ولن تفقهوه بكل أسف ولوعة..سأقوم بطرح الموضوع من زاوية مختلفة تماماً لا دخل لها بحرية المرأة بل بمصلحة الجميع ولن أفصل فيه ما بين حق رجل وامرأة .

بحكم وحدة الجغرافيا الطبيعية والتاريخية, قامت زيجات متنوعة بين الأقطار العربية المتجاورة وخاصة بين لبنان وسوريا واللاجئين من فلسطين الحبيبة , وقلما نجد عائلة ليس لها فروع في هذه الأقطار وهذا الأمر متجذر وطبيعي. أذكر جيداً بعد حرب تموز وهجرة لبنانيين إلى سوريا ونتيجة الإختلاط حدثت زيجات كثيرة بعدها, لكن الموضوع هو أن أكثر من ألف عائلة لبنانية تقطن في دمشق فقط منذ أكثر من عشرين سنة, ولا تزال تحمل الجنسية اللبنانية, كما توجد عائلات سوريا تقطن في لبنان لكنها استفادت من موضوع منح الجنسية في عام 1994, الموضوع اللبناني ليس موضوع نقاشنا لكن بالرغم من التقسيمات الطائفية المعقدة وحساسية الوضع اللبناني فلقد تم المنح ولو بشكل استثنائي! أما العائلات اللبنانية والتي لا تزال هي وأطفالها وأحفادها تحمل الجنسية اللبنانية وتتنشق العشق الدمشقي غير معترف بهم كمواطنين في سوريا! بالإضافة إلى أخواننا الغير لبنانيين والذين يقطنون سوريا منذ أعوام! فهل حقاً منح الجنسية يحتاج إلى كل هذا التعقيد والمعاناة !

في أكثر البلدان تقدماً غالباً ما يتم منح الجنسية بعد تجاوز خمس سنوات بحد أدنى وفقاً لشروط ومعاير تكون مجحفة في بعض الأحيان وعادلة في أحيانٍ اخرى, هذه المعاير تخضع لدراسة أقتصادية وسياسية وعلمية, فالأنسان الذي يحصل على جنسية أو حق اللجوء يجب أن يتحمل مسؤليات وواجبات, كدفع الضرائب واحترام القانون, كما تتحمل الدولة مسؤوليات وواجبات ناتجة عن هذا المنح, كتأمين الشيخوخة والتأمين الصحي والتعليمي, وبالرغم من أن هذه الأمور تكون باهظة إلا أن هذه البلدان تعي تماماً المشاكل التي قد تواجهها نتيجة الوجود الغير شرعي للأجانب أو الوجود فترة طويلة دون تكليفهم بمسؤوليات وواجبات, والمشاكل التي ستؤثر على الشبان الذين غالباً ما يلجؤون للجريمة والطرق الغير شرعية نتيجة عدم الإحتواء, وهم يعون تماماً بأن أقفال الأبواب الشرعية ستؤدي كنتيجة حتمية إلى اللجوء إلى الطرق الغير شرعية, وكنتيجة لهذه السياسة ترى الأسيوي والإفريقي والأوروبي في وطن واحد بإلتزامات وحقوق متساوية أمام القانون, يبقى هناك تجاوزات واعتبارات سياسية لسنا بصددها هنا فلا شيء كامل بالمطلق, لكن أقله يوجد قانون ..

تساؤلي هنا هل حقاً منح الجنسية العربية أوالجنسية السورية يحتاج إلى معجزة من السماء أو كفاح مسلح! هل حقاً منح الحنسية سيؤدي إلى تغير خارطة الطريق والتقسيمات الديمغرافية وخروج التسونامي من الصين إلينا! لماذا لا نفهم بأن الجنسية هو إجراء إداري تدرس فيه المصلحة الوطنية أولاً وأخيراً؟

في الختام إن منح المرأة جنسيتها لأطفالها هو ليس حق, بل هو لا يتعدى أن يكون إجراء إداري فقط, فرفعه لمرتبة حق هو دليل على تأخر كبير بإدراك أهمية الإنسان مهما كان جنسه للأسف..

نُشِرت في المرأة | الوسوم: , , , , , | 16 تعليق

الكتاب الاسود

أذكر جيداً المرة الأولى التي سقط الكتاب الأخضر بين يديّ, كنت حينها في الرابعة عشرة من عمري. أبي قال لي بأن هذا الكتاب ممنوع في سوريا, وكأي مراهقة ترغب بفعل الممنوع لم أكتفِ بالإحتفاظ به بل أخذته معي إلى سوريا. أخفيته بعنايه بين كتبي دون أن يعلم حتى أبي بذلك. أذكر بأني قرأته بالكامل وكنت أفقه أموراً، وأمور كثيرة لا أفقهها, أشد ما كان يعجبني التعليقات في زوايا الكتاب, لدرجة أني كنت أكتبها على البنطال بألوان عدّة. هذا الكتاب كان مختلف عن الكتب التي كانت تصل لأبي وأقرؤها وأناقشها معه. لقد كان ضد الرأسمالية ضد الاشتراكية ضد الشيوعية ضد الحزبية بكليّتها, وكمراهقة سحرتني الفوضوية وعدم الالتزام بأي نظام وبأي قيد أو سقف كم أكره السقف دون سقوف بيوت الفقراء…في ذلك الزمن كنت مع العسكريين رؤساء الدول العربية, وكنت أعلق عليهم أمال لتحرير فلسطين كأبي, وكمؤمنة بالعروبة وبالجنس العربي وبالحدود العربية من المحيط للخليج كنت أحب القذافي وتصريحاته العروبية قبل أن يصبح ملك الملوك إفريقيا ويبتعد عن العرب لأنهم لم يعدوا يعجبوا مسيو قذافي…

آه كم كنت أحب بدلتي العسكرية, وتعلم استعمال السلاح, كنت كمن يجهز نفسه لتحرير فلسطين الجولان الجنوب وكل الأراضي المحتلة كل يوم, منتظرة من القادة العسكريين الإشارة والبدء, حتى أني كنت أريد أن أدرس التمريض بعد المرحلة الإعدادية مباشرةً خوفاً من بدء المعركة وأنا لا أعلم عن الإسعافات الأولية شيء, سناء محيدلي دلال المغربي وحميدة الطاهر كنّ قدوتي, كم كانت تلك الأيام جميلة, ويا ليتني قبلت عرض ابن الجيران وتزوجنا, لقد أحبني حقاً, لكن من يستطيع أن يقول بأن الوهم ليس جميلاً غالباً!

نعود للكتاب الأخضر, مرت السنون لأجد رسالة على تلفوني المحمول جاء فيها, القذافي يسلم عليكِ, كانت الراسالة من صديق سويدي أرسلها بعد عودته من ليبيا مباشرةً في عطلة رأس هذه السنة . قليلة هي اللحظات التي كرهت فيها نفسي ومن هذه اللحظات كانت تلك اللحظة , كرهت نفسي حينها وشعرت بالإهانة والحنق من هذا الحثالة. التقيت بصديقي في الإجتماع النصف شهري في الأمنستي, وبجعبته الكتاب الأخضر باللغة السويدية, ابن اللاتِ والعزة مترجمة بكل اللغات, كان يحمله وكأنه يحمل تحفة أثرية انقرضت منذ زمن, ناولني الكتاب وهو خائف عليه يريد فقط أن يريني إياه, وأنا لا أريد أن أرى أوهامي, صديقتي أرادت أن تقرأه, لم يرد هو ذلك بعد أن شعر باستيائي من الرسالة ومن الكتاب, لكنها بدأت تقرأ وبدا الاستغراب والسخرية على الحضور من كتاب كأنه نزل من الفضاء على هذا الكوكب, وأصبح من العجائب الثمانية…

كم كنت بسيطة عندما ظننت بأن قصة هذا الكتاب قد انتهت, وكم كنت أنانية عندما فكرت فقط بالإحراج من هذا الكتاب ومن صاحبه دون أن أعلم أن صاحب هذا القرآن القذافي الآتي من الفضاء الخارجي للعقل, قد أمّرَ نفسه رباً على شعب وأرض وتاريخ إسوّد بهبله.. اثنتان وأربعون سنة, رقم خارج عن دائرة التصديق, وعقلي للآن لا يتقبله أو يصدق ما حدث ويحدث, فكيف ستصدق الأجيال القادمة ذلك!

ثورة قام بها أهلنا في ليبيا كلّفت من الأرواح والأسماء والحيوات ألفاً, تيتم الولدان وثُكلت النساء وكسّرَ وصدّع قلوب الآباء و وحرق وحرم الأمهات فلذات أكبادها, وراء كل العيون التي انطفأ نورها قصص, فرح حزن حب كره طموح وأحلام توقفت لتطير في الملكوت تغني وتبكي, لأي شي لا أعلم, هل حقاً خمسة بالمئة من الشعب الليبي يستحق أن يكون قرباناً لكي يذهب هذا المهرج! هل حقاً ذهاب هذا المهرج مسؤولية ليبية بحتة! أسئلة تكاد تقتلني وصور لقتلى تطاردني, لقد أصبحنا في الألفين وأحد عشر وما يحدث كأنه في العصور الوسطى, فإلى متى؟؟ وإلى أين؟؟…

نُشِرت في أنس | الوسوم: , , , , , | 4 تعليقات

فالنتين

الزمان شباط 2004, المكان مصر شرم الشيخ..

هي, أريد أن أذهب للقاهرة لأرى المتحف والأهرامات فما رأيك بالذهاب معنا.
الأخرى, لا ففي سنوات سابقة ذهبت للقاهرة ولا أحب الذهاب مرة أخرى.
هي, لما؟ اليست القاهرة جميلة؟!
الأخرى وفي كثير من التحفظ والأدب, جميلة ولكن فيها الكثير من المتسولين وفي الحقيقة لا أحتمل رؤيتهم.
هي, متسولون! لكن لا يخلُ بلد من المتسولين وهذا لا يمنعنا من الذهاب.
الأخرى, لا في القاهرة الأمر يختلف, إذهبي وبعد مجيئك سنتكلم.
هي وبكثير من الأستغراب قالت في سرها: ناشطة وحقوقية ولا تحب الذهاب للقاهرة! ما يوجد في شرم الشيخ لا يمت للحضارة المصرية بصلة, أساساً هي قطعة منظمة حسب الطريقة الأوروبية, إن كان بتصميم المنشآت أو المحلات أوالنظام المصرفي, واليهود فيها أكثر من العرب والأجانب ,فقط الشمس والأرض مصرية..

الزمان نيسان 2010 المكان السويد في مبنى الأمنستي

رجل من السويد زار القاهرة ويريد أن يرينا ما رأى, لبس عباية مصرية ثم بدأ بعرض الصور التي تكلمت بدورها.. في البداية بدأ بعرض صور رائعة جميلة ومنيرة للقاهرة عكست تاريخها,وما مرّّ عليها من حضارات, حتى بدى على الحضور الرغبته الشديدة للذهاب ورؤية المناظر بأم العين, ثم بدأ بعرض الجانب المظلم, فسلط الضور على الأحياء الفقيرة والكثيرة في القاهرة, أرانا الناس كيف تعيش في المقابر ومن ثم حجم الأوساخ والذباب والبرغش والماكروبات لدرجة فقدت الأمل برغبة أياً من الحضور للذهاب إلى هناك, صمتُ صمتَ مقهورةٍ لا تستطيع الكلام ولا الصراخ أو الأعتراض, الكل نظر إلي لا أعلم لما, ربما لأني العربية الوحيدة التي كنت هناك, لكن ملامحي لم تشجعهم على السؤال أو الإستفسار عن شيء.. رجعت إلى المنزل وفي سري حمدت الله لأنه لم يذهب لسوريا خاصة حلب, ولم يصور قلعة حلب ومن بعدها يعرض لنا صور الحاويات هناك..

الزمان شباط 2011 المكان السويد في مبنى الأمنستي

هي, أريد أن أذهب للقاهرة.
الأخرى, نعم وأنا أريد أن أذهب أيضا.ً
هي بابتسامة عريضة, لكنك قلتي بأنك لا تحبين الذهاب للقاهرة.
الأخرى, نعم لكن الوضع اختلف الأن فأنا أريد أن أعاين الذي ستغيره الثورة, ثم ببتسامة قالت: هابي فالنتين
هي, هابي فالنتين, وفي سرها تمنت أن يأتي يوم فالنيتن هذا وقد تم فيه الإصلاحات الإدارية (بلديات, وقانون إداري) والخداماتية والمواصلاتية, ولا تستحي من كمية النفايات وشكل الحاويات في بلدها, عندها سيكون الفالنتين هابي..

نُشِرت في ثرثرة | الوسوم: , , , , , | 2 تعليقان

مصر والحلم والمستحيلات

صرعت ثورة مصر كل المستحيلات, الثلاثة والأربعة وكل ما هو متوقع وغير متوقع. اليوم في عصر هذا الزمن, انتصرت ثورة من أنظف الثورات وأكثرها بياضاً وطهراً. هذه الثورة السلمية والتي كان سلاحها الأجساد والعيون والدماء انتصرت على أعتى الطواغي في القرن الواحد والعشرين..

ثلاثة أسابيع ونحن متسمرون أمام التلفاز, نراقب بفخر ودهشة, ليتحقق الحلم بدهشة أكبر من الحلم نفسة وبطريقة جديدة لم يشهدها التاريخ من قبل.

أشخاص مثلنا لا يملكون كاريزما خارقة أو مهارات وطاقات جسدية وعقلية خارقة, لا يملكون إلا الإيمان والإرادة للتغير دون حساب لنتائج الربح والخسارة.هؤلاء الأبطال لم يغيروا وضع متردي وثورة في مكان محدد بجغرافيا فقط, إنما لقد غيروا مفاهيم أيضاً. لقد أصبحت صفة البطولة تنعت لكل شخص لتصبح حتى هذه الصفة رغم خصوصيتها وشروطها الهولوودية شعبية, ولم تعد محتكرة بشخص واحد..

الذي يميز ثورة مصر عن باقي الثورات موضوع يحتاج إلى دراسة متعمقة وطويلة فحتى الأن ما زال المحللون السياسيون وفلاسفة العلوم السياسية في دائرة الدهشة وعدم التصديق, لكن ما يميزها على صعيدي الشخصي عدا عن الإلفة والحرارة الغريبة التي أذابت كمية البرد والجليد في هذا الطقس العاصف والمثلج, والإتصلات المتتالية حتى باتت كل الأرض بلد واحد, وأصبح اليوم عيداً جماعياً اتفق عليه كل العالم ليس العربي فقط بل والعالمي..

ليس هذا ما يميز هذه الثورة فقط وإنما رؤيتي لطفلي المحموم بجانبي الأن وهو متألم ويقول بلغة اختلطت فيها الكلامات, العربي بالأجنبي بلغة لم تخترع حتى الأن خاصة به فقط, لكنها كلها تصب بمعنى واحد عمتو أنا حلمت أنا عم أحلم فيكي وبالبابا ووو وغط في نوم وتركني أبكي على جبني وخوفي وهربي من أحلامي التي أدرت لها ظهري زمناً.. اليوم لم أعد خائفة على الحلم ولا على أحلام الأطفال..اليوم اكتشفت كم كانت خاطئة كل الحسابات,فلتحيا مصر ولتحيا
الحرية وليحيا الشرف وليحيا شهداء مصر العظماء وليحيا بائع الخضار البطل محمد بو عزيزة

نُشِرت في محطات | الوسوم: , , , , | أضف تعليق

تعبد بفنجان

طقوس تعبديّة أمارسها بتأمل يدي أمي وهي ممسكة بالفنجان, لم تقرأ فنجاناً من قبل, شغفها بمعرفة طالعي جعلها تمسك بالفنجان وتتنبأ عسى أن ترى ما تحلم به أو ما تتمنى. ربما هو تعلق الإنسان الفطري بمعرفة المستقبل عند الإحساس بالحاجة لجرعة من اليقين أو الأمل.. الطقس الدافئ الذي نشأ بيننا أعجبني فلقد كنا نبوح بمكنوناتنا نحن الإثنتان دون تحفظ وبطريقة غير مباشرة فأولاً وأخيراً الفنجان هو الذي يتكلم.. في هذا الطقس عرفت كيف تحب الأمهات وبأي عين ترى..تأملتها جيداً واستمتعت بمراقبة كل حركاتها وسكناتها خائفة من تفويت أي شيء دون تبويبه في ذاكرة هرمة محاربة لعنةالنسيان في هذا المقام لعلمي جيداً بأن هذه الأمور البسيطة هي ما يضفي إلى حياتي عذوبة وسعادة منقطعة النظير, ولعلمي بأن لا شيء في هذه الحياة يستمر, هو استثمار حقيقي للوقت ..

بحثَت في ملامحي جيداً وتوقفت لتقول أرى في فنجانك محبس , ابتسمت لعلمي بما تلمح به ولا أعلم لما هو حلمها وحلم كل الأمهات! حلم أرهق كثيرات وشكّل ضغطاً نفسياً صعباً وقاسياً وأحيانا إحساساً بالنقص , وتساءلت لما لا تجعل الأمهات الحب الحقيقي أو اكتشاف الذات أو تحقيق الحلم الشخصي الخاص بكل واحدة هو حلمهنّ! ألصعوبة هذا الأمر وبهاظة الأثمان! ربما! أو لأنهن واقعيات قد خبروا الحياة وأختاروا الأسهل لنا! ربماأيضاً! بعد جولة في التفكير جاوبتها بأنه ربما سنسمع خطبة أحدهم, فامتعضت واستمرت..

أرى في فنجانك طريقاً طويلاً وأبيضاً, أخفيت بسمة خبيثة بخبث قطة ابتلعت فأر ولا تريد أن يراها أحد, وقلت في نفسي هذا الطريق الذي حذرتني منه فسلكته وما زلت, انتظرت مني إجابة فحركت كتفي بطريقة تدل على عدم العلم بالأمر, فاستمرت.. أرى عصفور وللصدفة سمع ابن أخي الصغير الحديث وقال جدتي أريني العصفور, فتحركت بجدية وحركت الفنجان لتريه , تمعّن جيداً قطب حاجبيه وبحركة تدل على عدم الرضى قال إنها ذبابة وليس عصفوراً يا جدتي, فقالت بعصبية إذهب وما أدراك أنت, هنا إنتابتني نوبة من الضحك لم أستطع كبتها, وبعد أن انتهيت اعتذرت وقلت بأن كلام الصغير أضحكني, وفعلاً هو ما أدراه!…

طلبت منها الإستمرار وأقسمت بأني أصدقها لأني أعرف العصفور جيداً وأعرف من هو الغصن والحضن الوحيد الذي يلجأ إليه العصفور ليستريح من تعب الطيران والتحليق الذي لن ينتهي, ومهما كانت حالة العصفور فرح أو حزين غاضب أو مسرور سليم أو مكسور فلن يرفضه الغصن, فاستمرت ..قالت هناك ثلاث دعسات دعسة حصان ودعستان للأقدام, ربما ستقصدين مكان جديد, قطبت جاجبي وقلت مكان جديد مرة أخرى لا لا لا أريد, فالمكان الجديد يعني بداية جديدة, وشق طريق من جديد, وغربة وحنين وترك الأحبة من جديد أيضاً, فتراجعت وقالت ربما لا يعني هذا, فابتسمت وفكرت كم هو جميل المستقبل لو كان كفنجان أمي أرفض الذي أريده وأقبل الذي أريده…

أرى سمكة كبيرة قالت, والسمكة تعني رزق كما يقولون, فقلت أنتي هو رزقي ونعمة الله عليَّ, وهل هناك أكثر من القناعة رزق! فانفرجت أساريرها وابتسمت ثم استمرت وقالت, أرى نخلة وخروف وأفعى وأرى وأرى وأنا لا أرى إلاها, قالت إبصمي فبصمت قالت أرى قلب أبيض وغزال وعنقاء ورجل, عندها تعبنا من تأويل ما ترى, فهي ترى وأنا أرى وكلاً يرى ما يريد

ثلاثة أيام, العطلة التي قضتها في بيتي تقرأ طالعي كل صباح إلى أن سافرت, ثلاثة أيام مرت سريعة بسرعة الفرح, وتركت لي فنجان ينتظر عودتها لتقرأه مرة أخرى, وذكريات أتزود بها في هذه الحياة

نُشِرت في ثرثرة | الوسوم: , , , , , | 7 تعليقات

أنا من سوريا

أنا من سوريا, تعبير بتُّ أستخدمه كثيراً هذه الأيام, لم أكن أستخدمه سابقاً, رغم سفري وتنقلي الدائم, إلا أني كنت دائماً ألتزم الصمت لأترك للمقابل أن يتكهّن من أين أنا, ومهما كانت الإجابة بالنسبة لي ستكون صحيحة, لأني لا أؤمن بالحدود الوضعية.. كنت دائمة التنقل بين البلدين الحبيبين جداً لبنان وسوريا, ترعرعت بهما ولهما من الفضل الكثير ومن الحب الأكثر الأكثر..عندما كنت أسافر خارج نطاق أرضيهما لم أُسأل عن هويتي بل أبرز جواز السفر وهذا يعتبر أكثر من كافي, فما الذي تغيّر? لم أعد أحتمل عبء شرح فكرة تسكنني ولا يفقهها العالم والمجتمع الدولي, بل لا يفقهها حتى أهل البلدين, خاصة بعد تراجع فكرة الإتحاد والعمل الدؤوب الخارجي والداخلي على فكرة الإنقسام ونموه بشكل رهيب, حتى بات أصحاب المحافظة الواحدة لا بل البلديات والأحياء يطالبون بالإستقلال, للأسف الإنقسام تحول من كتب الجغرافيا ليستقر في النفوس فأصبح وجدانياً عاطفياً, المضحك المبكي أن ما يحدث في أوروبا هو العكس!!كانت فكرة خاصة بي بأي حال وكنت دائما أسعى لأشرحها لأبناء البلدين وبإصرار, الآن لم أعد أخذ الأمور بحساسية كما كنت سابقاً , وأعلم بأنّ الوثيقة أهم من أي مبدأ وفكر وفلسفة في البلد الذي أعيش به الأن, لا مكان للعواطف والطبوباويّة اللتان أصبحتا نعتاً للإنتقاص والتهتك بالشخص الذي يمارسها, وكأن العاطفة عيباً رهيباً! ويجب أن نكون ألآت منظمة متفردّة أو قطيع! وهنا أتساءل لما لا أكون متفردّة ضمن قطيع, إن خالف أو أصاب أقول بحرية وبدون تكفير وهتك وعداء..

أنا من سوريا, وقفت وقلتها بكل ما أوتيت من قوة في حفلة نظمتها الأمنستي( مؤسسة حقوقية لها اختصاصات كثير منها الدفاع عن حقوق اللاجئيين) في السويد في مدينة فلين, صحيح أن الإنتخابات السويدية كشفت لي وللمرة الأولى حجم التخلف الموجود في سوريا, ذلك من خلال انتخاب السريان السوريين لحزب اليمين المتطرف فقط لعدائه للإسلام , بالرغم من عدائه أيضاً للاجئيين! أو عندما قالت بعضهن أنها انتخبت حزب اليمين الوسط فقط لأن حزب الإشتراكيين الديمقراطيين ممثل من قبل امرأة كم كنت أتمنى أن أقتلها! نعود للحفلة فممنوع التكلم بالسياسة, الحفلة كانت عبارة عن تجمع ثقافي من مختلف الدول الموجودة في هذه المدينة, يتم عرض الأزياء التقليدية والمأكولات والموسيقى الشهيرة بكل بلد لإزالة الجهل بالأخر الناتج عن البرباغندا السياسية من ناحية وعن بعد المسافة وإختلاف اللغة من ناحية أخرى. مُثّلت بلاد متنوعة في الحفل كان النصيب الأكبر للقارة الإفريقية متمثلة بالصومال أريتيريا والكانغو, أما البلاد العربية فكانت فلسطين واليمن سوريا ولبنان, وبالطبع كان السويد حاضراً بشكل جميل وفاتن ومتفوق على جميع البلدان ذلك للوعي بتفاصيل المُمَثل بالرغم من إمكانياته التقليدية المتواضعة..

لم أعِ في يومٍ من الأيام بأن المطبخ يمثل ثقافة, ففي المدرسة والمجتمع تعلّمت بأن الثقافة محصورة بالكتب, كما لم أعِ أن الملابس التقليدي ثقافة, فلقد نشأت بمنطقة جلّ همّها تقليد الغرب, الفاشن والصرعات هي الحضارة والثقافة بالرغم من غنى منطقتنا بالأزياء والألوان والمجوهرات التقليدية.. صحيح بأني على الصعيد الشخصي كنت شغفة بالملبوسات والمجوهرات التقليدية بكل أطيافها وأنواعها, وكنت أعشق أن ألقي بروحي في عوالم الأسواق العتيقة أشتم رائحتها, وأصغي بإهتمام إلى التزاوج الجميل والمغري بين الحذاء النسائي وحجارة الأرصفة المصطفة بتناسق وعراقة حقيقية. لطالما نسجت صورة لشهرزاة وزنوبيا بلقيس وأخريات. رائحة الحناء والصابون والصوف البهارات والعطور الشرقية, أشكال الباعة وفنون الإغراء الذي يتبعونها وحدها تحتاج لكتاب, كنت أتأمل وأركز بكل التفاصيل وكأني مسحورة, كنت أبدو كالبلهاء في كثير من الأحيان حتى يضيق البائعون مني ذرعاً , لكني كنت أستمتع بكل تفصيل وفعل وردّة فعل لأضعهم في صندوقي الوجداني..

اخترت عباءة سورية صناعة حلبية لألبسها, للأسف لم أنتبه لأهمية الألبسة التقليدية التي تمثلني إلا هنا, واخترت من المطبخ اللبناني بعض الأطعمة السهلة البسيطة والمعروفة, وأحسست بالرضى بذلك, صديقتاي البولندية والسويدية والقائمتان على الحفل طلبتا مني أن أكون المقدمة والمعّرفة عن الثقافات في الحفل, كنت خائفة ومترددة في البداية, إمكانياتي بسيطة والمطلوب كثير وكبير, لكن الحافز كان اعتزازي بانتمائي…

أنا من سوريا, هي جملة لم أعلم أني سأتلفظ بها بهذا الشكل, حرارة سرت بجسدي ودقات قلبي كنت أسمعها, استحضرت رائحة كل النساء اللواتي ألتقيتهنّ , رائحة كانت تثير بي تساؤلات كثيرة, مستغربة كيف تشبه رائحة النساء رائحة الأرض وتختلف باختلافها؟ أنا من سوريا جملة تعمّدت أن أنهي بها الحفل والتقديم وتنتهي بتصفيق وتقدير من حضور راقي أفتخر به..

نُشِرت في محطات | الوسوم: , , , , , , | 20 تعليق